هل تمنع تعقيدات اللغة التطور؟

كانت حلقة الأمس من برنامج الشريعة و الحياة، بعنوان “اللغة العربية..و مستقبلها“، على قناة الجزيرة مثيرة للإهتمام. و قد أثار الشيخ يوسف القرضاوي العديد من النقاط المهمة بشأن مكانة اللغة العربية. أجمل ما قاله الشيخ القرضاوي هو أن سبب تراجع مكانة اللغة هو تراجع مكانة أهلها و ليس العكس، أي أن تعقيدات اللغة العربية مقارنة باللغات الأخرى ليست السبب في تراجع أهل هذه اللغة. بالإمكان الرجوع إلى العديد من الأمثلة التاريخية، التي يعرفها أغلبنا، لتعزيز هذا القول لكنني هنا سأتناول مثالا عصريا على صحة مثل هذا القول.

في الصيف الماضي تدربت في إحدى الجامعات الألمانية و قد كانت إحدى زميلاتي طالبة دكتوراه يابانية اسمها تومومي كاواراباياشي. كثيرا ما كنا نتحدث لغاتنا و ما يميزها أو يجعلها غريبة. و قد أذهلني كيف يقوم اليابانيون بالطباعة على الحاسوب، فاليابيانية تحوي أكثر من نظام للكتابة أبرزها “الكانا” و هي نظام صوتي يتكون بدوره من نظامين هما “الكاتاكانا” و “الهيراغانا” . أما النظام الآخر، و يدعى “الكانجي”، فيقوم على الرموز و فيه يعبر كل رمز عن كلمة أو مقطع. يبلغ عدد رموز الكانجي حوالي 50000 رمز، إلا أن عدد المستخدم منها هو 2000 تقريبا، و هو عدد كبير! و تعتبر “الكانجي” هي اللغة الرسمية، فكيف تستعمل لوحة المفاتيح لإدخال 2000 رمز؟

لأن عدد رموز “الكانا” مناسب لوضعها على لوحة المفاتيح العادية، فإن طريقة الطباعة عند اليابانيين تقوم على إدخال الأصوات باستخدام “الكانا” بينما يقوم الحاسوب بملائمة الأصوات الناتجة مع طريقة لفظ رموز “الكانجي” و إظهار الرموز التي يتطابق لفظها مع ما تم إدخاله. و عندما يرى المستخدم رمز “الكانجي” الذي يريده فإنه يختاره من بين الرموز الأخرى و يكرر العملية لإيجاد الرمز الذي يليه. و إذا كان البرنامج الذي يستعمله للطباعة ‘ذكيا’، فإنه يتعلم أي الرموز تستعملها بتكرار أكبر ليظهرها أولا و بالتالي فإن عملية الطباعة تستغرق وقتا أقل كلما زادت الطباعة.

الأمر نفسه يحصل عندما يريد المرء إرسال رسالة قصيرة من جهازه الخلوي. إذ أن المفاتيح تحوي رموز “الكانا”. و شاشة الجهاز تنقسم إلى نصفين، الأول يحوي ما اختاره المستخدم حتى الآن من رموز “الكانجي” و الثاني يظهر رموز “الكانجي” بناء على رموز “الكانا” التي يدخلها المستخدم ليتمكن من اختيار الرمز الذي يريده منها!

مع كل هذا التعقيد في هذا الجانب من اللغة اليابانية، و هنالك جوانب أخرى لا تقل فيها اليابانية تعقيدا أو غرابة، فإن اللغة اليابانية تستعمل في التعليم في كافة المستويات و في كافة العلوم. و بالرغم من أن عدد متكلمي اللغة العربية يفوق بكثير متكلمي اليابانية، إلا أن عدد مقالات ويكيبيديا اليابانية أكثر ب13 مرة من عدد مقالات ويكيبيديا العربية وفقا لإحصائيات أخذت في الأول من شباط لهذا العام. فعلى من يقع اللوم، اللغة أم أهلها؟

Be Sociable, Share!